أزمة السكن في حماة.. كابوس يرفع الإيجارات ويعوق العودة

أزمة السكن في حماة.. كابوس يرفع الإيجارات ويعوق العودة

تعيش مدينة حماة أزمة سكن حادة تحولت إلى كابوس يومي للسكان، في ظل ارتفاع جنوني بالإيجارات وأسعار العقارات، يفوق قدرة ذوي الدخل المحدود.

وتفاقمت الأزمة بشكل ملحوظ، بعد عودة أعداد كبيرة من النازحين من الشمال السوري، وكذلك عودة قسم من اللاجئين من دول الجوار إلى المدينة، بحسب ما رصدته عنب بلدي، ما خلق فجوة بين عدد العائدين ووحدات السكن المتاحة تقترب من ضعف العرض المتوفر حاليًا، وفقًا لتقديرات صرح بها نائب محافظ حماة، محمد جهاد طعمة، في حديث إلى عنب بلدي.

إيجارات تفوق الدخل
يعيش آلاف المواطنين تحت وطأة إيجارات خانقة، حيث تتجاوز قيمة الإيجار الشهري في كثير من الأحيان دخل المواطن الأساسي.

عبد الله السرميني (35 عامًا)، أحد سكان مدينة حماة قال لعنب بلدي، “أدفع مليونًا و200 ألف ليرة سورية شهريًا مقابل استئجار غرفتين بمساحة لا تزيد على 40 مترًا مربعًا في حي الفراية، وهذه القيمة تمثل نسبة كبيرة من دخلي”.

بينما قال سعد حليلو (41 عامًا)، وهو أب لخمسة أطفال ويعيش في منزل والده، “لا أستطيع شراء منزل ولا الاستئجار بسبب ضعف دخلي. الحل هو تخفيض أسعار مواد البناء والتراخيص، وفتح مناطق سكنية جديدة”.

“عندما حاولت العودة إلى مدينتي حماة وجدت أن أسعار الإيجارات تفوق الخيال بما يقارب 150 إلى 200 دولار شهريًا، مقارنة بـ40 دولارًا أدفعها هنا، ما جعلني أنسى العودة في الوقت الحالي”، هكذا لخص حمزة الحسين حاله لعنب بلدي، وهو الذي يقيم حاليًا في شمالي سوريا بعد محاولته العودة إلى مدينته.

أسهمت سياسات النظام السابق في تفاقم الأزمة، حيث هُدمت أحياء كاملة بحجة المخالفات، مثل مشاع الأربعين ومشاع وادي الجوز عام 2013، دون الاكتراث لمصير سكانها من الطبقات الفقيرة.

أيمن حسن البستاني (60 عامًا)، أحد سكان مشاع الأربعين الذي تم هدمه سابقًا، وهو موظف في دائرة حكومية، قال، “فقدت منزلي بعد هدمه وتهجر كامل سكان الحي، وأنا الآن أستأجر منذ 14 سنة بإيجار مليون ونصف مليون ليرة، وراتبي لا يكفيه”.

الأسباب والحلول المطروحة
مدير مؤسسة “المستشار” للتسويق العقاري، فخر شيخ الغنامة، ذكر لعنب بلدي أن هناك طلبًا كبيرًا بسبب عودة الناس من الخارج بعد التحرير، ونزوح أهالي الريف سابقًا بحثًا عن الأمان خلال سنوات الحرب.

وقال، “هناك أحياء عشوائية تم هدمها بالكامل بسبب الحركات الثورية التي حصلت فيها، فقام النظام البائد بتدمير هذه الأحياء ومسحها بشكل كامل مثل مشاع الأربعين ومشاعات أخرى”.

أضاف الغنامة أن الإيجارات الآن تبدأ من 150 دولارًا للأحياء العادية، وقد تتجاوز 1000 دولار في الأحياء الراقية مثل البرناوي والشريعة.

وتابع، “هناك جهود رسمية، ورغم أنها إيجابية من ناحية ضبط البناء، فإنها غير كافية وحدها لمواجهة أزمة سكنية متراكمة منذ عقود، ولا تعالج جذور المشكلة المتمثلة في نقص العرض السكني”.

الغنامة يرى ضرورة إقامة ضواحٍ سكنية جديدة، كأحد أبرز الحلول الهيكلية المطروحة رسميًا وشعبيًا، داعيًا مجلس بلدية حماة إلى قيادة هذا المشروع عبر بناء مجمعات سكنية بمواصفات متوسطة وبمساحات وأسعار مقبولة، تهدف إلى تمكين الموظف ذي الدخل المحدود والتاجر الصغير والعامل من دفع أقساط شهرية مقابل تملك مسكن.

وأردف أن على المجلس طرح رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تؤدي إلى ضبط وترشيد أسعار الإيجارات والبيع في الأحياء القائمة داخل المدينة وإجبارها على أن تصبح أكثر عقلانية.

وفق رؤية الغنامة، يجب استغلال المخزون الهائل من الأراضي المملوكة للدولة، خاصة تلك الواقعة على أطراف المدينة وعلى طرق الربط بين المحافظات كطريق حماة- حمص وحماة-حلب، وطرح هذه الأراضي للبيع بأسعار رمزية وتشجيعية للمستثمرين العقاريين.

ويتوقع أن يؤدي هذا التوسع العمراني المنظم خارج نطاق المركز إلى امتصاص الطلب المتزايد.

وبحسب خبراء، أدى تراجع الاقتصاد السوري بشكل كبير خلال السنوات الماضية إلى ضعف القوة الشرائية وهبوط الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، وبالتالي أدى إلى تضخم أسعار العقارات بالليرة السورية وخصوصًا في المناطق الآمنة التي زاد الطلب عليها.

جهود المحافظة والتحديات القائمة
نائب محافظ حماة، محمد جهاد طعمة، أكد لعنب بلدي وجود “خطة متكاملة لوضع عقارات كبيرة ضمن برنامج هيئة الاستثمار، بهدف تحويلها إلى مناطق تطوير عقاري”.

ويُقدَّر عدد الشقق المخطط بناؤها خلال عامي 2026 و2027 بنحو 35 ألف شقة، تستهدف الشرائح المتضررة والعائدين وذوي الدخل المحدود، بحسب طعمة.

“لا يوجد قانون يلزم المالك بسقف إيجاري محدد”، قال طعمة، لكنه يشير إلى جهود التوعية عبر الجوامع والجمعيات الأهلية، لحث المواطنين على “التراحم وخفض أسعار الإيجارات”.

أما في ملف العشوائيات والقوانين المعوقة فقال طعمة، إن البناء العشوائي “مرفوض من حيث المبدأ”، وألقى باللوم على النظام السابق لتشجيعه العشوائيات.

وذكر أن مقترحات رُفعت لتعديل القوانين وإلغاء البلاغات التي تعوق التطوير العقاري، وجرى بحث تسوية المخالفات القائمة بآليات أكثر عدالة، بانتظار مناقشتها في مجلس الشعب.

كما أعلنت محافظة حماة، في 7 من آب 2025، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، عن مشاريع استثمارية طموحة مثل “مشروع الياسمين” في حي مشاع وادي الجوز، الذي يهدف لإنشاء 2600 وحدة سكنية باستثمار يتجاوز 250 مليون دولار. ومع الضجة الإعلامية حوله، تثير التفاصيل التنفيذية تساؤلات حول جدواه وموعده.

اتفاقيات جزئية
نائب محافظ حماة، محمد جهاد طعمة، ذكر أن المحافظة تسعى إلى فتح عدة مسارات لحل أزمة السكن، وقد وقع المحافظ أكثر من اتفاقية تعاون مع منظمات محلية وإقليمية في مجال إعادة الإعمار، لكن المبادرات الحالية “تبقى خجولة وجزئية ولا تتناسب مع حجم الكارثة السكنية”.

وحدد طعمة أبرز العوائق بالقوانين والأنظمة التي وضعها النظام السابق لخدمة مصالحه، وضعف التمويل كأهم التحديات أمام التطوير العقاري، إضافة إلى جمود القوانين وعدم تحديثها بما يتناسب مع المرحلة الراهنة، ما يستدعي تعديلًا شاملًا.

اشترك في النقاش

مقارنة العقارات

قارن